الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
132
تفسير روح البيان
في الظاهر وذلك لأنهم لم يتبعوا صالحا من الصلحاء الحقيقيين فيقوا في فساد النفس وَأَمَّا عادٌ وكانت منازلهم بالأحقاف وهي الرمل بين عمان إلى حضر موت واليمن وكانوا عربا أيضا ذوى بسطة في الخلق وكان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين وأوسطهم ما بين ذلك وكان رأس الرجل منهم كالقبة يفرخ في عينيه ومنخره السباع وتأخيره عن ثمود مع تقدمهم زمانا من قبيل الترقي من الضال الشديد إلى الاضل الأشد فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ هي الدبور لقوله عليه السلام نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور صَرْصَرٍ اى شديدة الصوت لها صرصرة في هبوبها وهي بالفارسية بأنك كردن باز وچرغ وآنچه بدان ماند . أو شديدة البرد تحرق ببردها النبات والحرث فان الصر بالكسر شدة البرد عاتِيَةٍ مجاوزة للحد في شدة العصن كأنها عتت على خزانها فلم يتمكنوا من ضبطها والرياح مسخرة لميكائيل تهب باذنه وتنقطع باذنه وله أعوان كأعوان ملك الموت ( روى أنه ما يخرج من الريح شئ الا بقدر معلوم ولما اشتد غضب اللّه على قوم عاد أصابتهم ريح خارجة عن ضبط الخزان ولذلك سميت عاتية أو المعنى عاتية على عاد فلم يقدر وأعلى ردها بحيلة من استتار ببناء أو لياذ بجبل أو اختفاء في حفرة فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم سَخَّرَها عَلَيْهِمْ التسخير سوق الشيء إلى الغرض المختص به قهرا والمسخر هو المقيض للفعل والمعنى سلط اللّه تلك الريح الموصوفة على قوم عاد بقدرته القاهرة كما شاء الظاهر أنه صفة أخرى ويقال استئناف لدفع ما يتوهم من كونها باتصالات فلكية مع أنه لو كان كذلك لكان بتسبيبه وتقديره فلا يخرج من تسخيره تعالى سَبْعَ لَيالٍ منصوب على الظرفية لقوله سخرها أنت العدد لكون الليالي جمع ليلة وهي مؤنث فتبع مفرد موصوفه يقال ليل وليلة ولا يقال يوم ويومة وكذا نهارة وتجمع الليلة على الليالي بزيادة الياء على غير القياس فيحذف ياؤها حالة التنكير بالاعلال مثل الأهالي والاهال في جمع أهل إلا حالة النصب نحو قوله تعالى سيروا فيها ليالي وأياما آمنين لأنه غير منصرف والفتح خفيف وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ ذكر العدد لكون الأيام جمع يوم وهو مذكر حُسُوماً جمع حاسم كشهود جمع شاهد وهو حال من مفعول سخرها بمعنى حاسمات عبر عن الريح الصرصر بلفظ الجمع لتكثرها باعتبار وقوعها في تلك الليالي والأيام وقال بعضهم صفة لما قبله ( كما قال الكاشفي ) روزها وشبهاى متوالى . والمعنى على الأول حال كون تلك الريح متتابعات ما خفق هبوبها في تلك المدة ساعة حتى أهلكتهم تمثيلا لتنابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على داء الدابة مرة بعد أخرى حتى ينحسم وينقطع الدم كما قال في تاج المصادر الحسم بريدن وپيوسته داغ كردن . فهو من استعمال المقيد في المطلق إذا لخسم هو تتابع الكي أو نحسات حسمت كل خير واستأصلته أو قاطعات قطعت دابرهم والحاصل ان تلك الرياح فيها ثلاث حبثيات الأولى تتابع هبوبها والثانية كونها قاطعة لكل خير ومستأصلة لكل بركة أتت عليها والثالثة كونها قاطعة دابرهم فسميت حسوما بمعنى حاسمات اما تشبيها لها بمن يحسم الداء في تتابع الفعل واما لان الحسم في اللغة القطع والاستئصال وسمى السيف حساما لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته وهي كانت أيام برد العجوز